أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

293

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

جعل « لِلْأَبْرارِ » حالا من الضمير في الظرف - فصحيح ، لأنّ العامل في الحال حينئذ الاستقرار الذي هو عامل في الظرف الواقع صلة ، فيلزم ما قاله ، وإن عنى به الوجه الأول - أعني جعل « لِلْأَبْرارِ » خبرا ، والنية به التقديم ، وب « خَيْرٌ » التأخير كما ذكر أبو البقاء - فلا يلزم ما قال ، لأنّ « لِلْأَبْرارِ » حينئذ يتعلّق بمحذوف آخر غير الذي تعلّق به الظرف . و « خَيْرٌ » هنا يجوز أن تكون للتفضيل وأن لا تكون ، فإن كانت للتفضيل كان المعنى : وما عند اللّه خير للأبرار ممّا لهم في الدنيا ، ويحتمل : خير لهم مما يتقلّب فهي الكفار من المتاع القليل الزائل . قوله تعالى : لَمَنْ يُؤْمِنُ : اللام لام الابتداء دخلت على اسم « إِنَّ » لتأخّره عنها . و « مِنْ أَهْلِ » خبر مقدم ، و « مِنْ » يجوز أن تكون موصولة ، وهو الأظهر ، وموصوفة أي : لقوما و « يُؤْمِنُ » صلة على الأول فلا محلّ له ، وصفة على الثاني فمحلّه النصب . وأتى هنا بالصلة مستقبلة وإن كان ذلك قد مضى ، دلالة على الاستمرار والديمومة . قوله : خاشِعِينَ فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه حال من الضمير في « يُؤْمِنُ » ، وجمعه حملا على معنى « مِنْ » كما جمع في قوله : « إِلَيْهِمْ » ، وبدأ بالحمل على اللفظ - في « يُؤْمِنُ » - على الحمل على المعنى لأنه الأولى . الثاني : أنه حال من الضمير في « إِلَيْهِمْ » ، فالعامل فيه « أُنْزِلَ » . الثالث : أنه حال من الضمير في « يَشْتَرُونَ » ، وتقديم ما في حيّز « لا » عليها جائز على الصحيح ، وتقدّم شيء من ذلك في الفاتحة . الرابع : أنه صفة ل « مِنْ » إذا قيل بأنها نكرة موصوفة ، وأمّا الأوجه فجائزة سواء كانت موصولة أو نكرة موصوفة . قوله : لِلَّهِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « خاشِعِينَ » أي لأجل اللّه . والثاني : أن يتعلّق ب « لا يَشْتَرُونَ » ذكره أبو البقاء ، وقال : « وهو في نية التأخير ، أي : لا يشترون بآيات اللّه ثمنا قليلا لأجل اللّه » . قوله : لا يَشْتَرُونَ كقوله : « خاشِعِينَ » إلا في الوجه الثالث لتعذّره ، ونزيد عليه وجها آخر ؛ وهو أن يكون حالا من الضمير المستكنّ في « خاشِعِينَ » أي : غير مشترين . وتقدّم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه وفي الباء في البقرة « 1 » . قوله : أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ « أُولئِكَ » مبتدأ . وأمّا « لَهُمْ أَجْرُهُمْ » ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون « لَهُمْ » خبرا مقدما ، و « أَجْرُهُمْ » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر الأول . وعلى هذا فالظرف فيه وجهان ، أحدهما : أنه متعلق ب « أَجْرُهُمْ » ، والثاني : أنه حال من الضمير في « لَهُمْ » وهو ضمير الأجر لأنه واقع خبرا . الوجه الثاني : أن يرتفع « أَجْرُهُمْ » بالجارّ قبله ، وفي الظرف الوجهان ، إلّا أنّ الحال من « أَجْرُهُمْ » الظاهر ، لأنّ

--> ( 1 ) آية رقم ( 16 ) .